إخوان الصفاء
314
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
« إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى » . عنى بذلك أن موسى ، عليه السلام ، إنما يعمل ما يعمله بتخيّل وتحيّل وشعبذة لا حقيقة لقوله ولا صحة لعلمه ، مثل ما أشار عليه هامانه وسوّل له شيطانه بقوله : « وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم » يعني كلّ مشعبذ وممخرق ، ومنمّق لقوله ، وملفّق لعمله ، وما كان من قصته وتسليم السّحرة إلى موسى وهارون ، عليهما السلام ، وما كان منهم ورجوعهم عما كانوا عليه نادمين ، وتبرّيهم مما كانوا يعملون وقولهم : « آمنّا برب موسى وهارون » . ومثل ما قالت الجاهلية المشركون في نبينا محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، إنه ساحر كذاب ، قال اللّه تعالى : « وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر » . وكل نبيّ نطق ، وكل حكيم صدق وأتى بالمعجزات وأظهر الآيات ، القي عليه هذا الاسم ، وعرف بهذا الوسم عند الأمم الطاغية والأحزاب الباغية ، تكذيبا للأنبياء وردّا على الحكماء . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن ماهيّة السحر وحقيقة هذا هو كل ما سحرت به العقول ، وانقادت إليه النفوس من جميع الأقوال والأعمال بمعنى التعجب والانقياد والإصغاء والاستماع والاستحسان والطاعة والقبول . فأما ما يختص منه بالأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، فكالعلم بالأمور التي ليس في وسع البشر العلم بها إلّا من جهة الوحي والتأييد وأخذها من الملائكة ، وهي الكتب المنزلة والآيات المفصّلة والأمثال المضروبة الدالة على حكمة اللّه ، سبحانه ، وتوحيده ، وبيان الحلال والحرام ، وإيضاح القضايا والأحكام ، والإخبار بالغيب بما كان وما يكون ، ولذلك كانت الجاهلية تقول لمن اتّبع الرسول ، صلى اللّه عليه وسلم ، ودخل الإسلام قد صار فلان إلى دين محمد وقد عمل فيه سحره . فهذا هو السحر الحلال ، وهو الدّعاء إلى اللّه ، سبحانه ، بالحق وقول الصدق . والباطل منه ما كان بالضد من مثل ما يعمل به أضداد الأنبياء